صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
111
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
ولعله من المهم الإشارة إلى أن الإنسان غير مسؤول عن الأعمال اللاإرادية للإنسان حيث يفتقر إلى الإرادة ، ولا هو مسؤول عن الفعل الخطأ غير المقصود أو المراد وذلك لعدم استهدافها الشر أو الخطأ . فالإنسان لا يحاسب على عمل إلا إذا توافر القصد الكامل له . وهذا مصداق قوله سبحانه وتعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ « 1 » . وهكذا يظهر دور النية في الأخلاق الإسلامية باعتبارها شرطا ضروريا ، وعلى ذلك هي شرط للمسئولية ، ومصداق هذا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما الأعمال بالنيات » « 2 » . ويفيد الحديث أن الأعمال لا قيمة لها إلا بالنية ، وأن الأعمال بنياتها ، وعلى هذا فالأعمال لا توجد « أخلاقيا » إلا بالنية ، وهذا يؤكد وجود النية كشرط لقيمة الفعل الخلقي « 3 » . 4 - حرية الاختيار : حين تتحقق شروط المعرفة والعمل الإرادي على بصيرة من الفرد بما يعمل ، فليس معنى ذلك أن العمل قد استوفى جميع شروط المسؤولية ، إذ أن هناك شرطا آخر على درجة من الأهمية ، وهو القدرة وفاعلية الجهد الإنساني ، أو بتعبير آخر : الحرية . ويؤكد « دراز على ذلك بقوله : « إن مبدأ التناسب بين المسؤولية والحرية تمتد جذوره بعمق في الضمير الإنساني ، بحيث لا يمكن تجاهله دون أن يبدو في موقفنا شيء من الإجحاف « 4 » . إن المسلم مطلوب منه استخدام قدرته على الاختيار حتى لا يتخذ من القضاء والقدر ذريعة للتهرب من المسؤولية ، وقد بسطنا القول قبل ذلك فيما يتعلق بشرط التكليف ، وهو أن يكون الإنسان مختارا فلا معنى لكون الإنسان مجبرا على شيء ونحاسبه عليه وإنما يحاسب على اختياراته . إن الإنسان يصبح مسؤولا ، وهو يحقق ذاته بنفسه ، وهكذا يصبح مسؤولا أمام اللّه عما آتاه من فعل بإرادته وحريته . لعله قد تبين أن المعرفة لا تكفي دليلا على تحمل المسؤولية الخلقية ، ما لم تصاحبها النية ( الإرادة الجازمة ) تجاه الخير أو الشر ، وهذه الإرادة وحدها - أيضا - لا تكفي ، بل لا بد من الاختيار والقدرة والحرية التي تسلك معها في نمط واحد حتى تكون الخلقية هي الصفة الجوهرية التي تميز الإنسان المسؤول في هذه الحالة « 5 » . وكما يقرر « دراز » : فالشروط الضرورية والكافية لمسئولياتنا أمام اللّه وأمام أنفسنا هي : أن يكون العمل
--> ( 1 ) الأحزاب : 5 . ( 2 ) ابن حجر - الفتح ج 1 ، حديث رقم ( 1 ) . ( 3 ) محمد ممدوح العربي : الأخلاق السياسية ، مرجع سابق ، ص 220 ، 221 ، محمد عبد اللّه دراز : دستور الأخلاق في القرآن ، ص 179 ، 180 ، وابن حجر : فتح الباري ، ( ط الشيخ بن باز ، ج 1 ، ص 20 ، 21 ) . ( 4 ) محمد عبد اللّه دراز : دستور الأخلاق في القرآن ، مرجع سابق ، ص 181 . ( 5 ) محمد عبد اللّه عفيفي : الأخلاق عند ابن تيمية ، مرجع سابق ، ص 187 ، 188 .